عبد الله بن محمد المالكي

204

رياض النفوس في طبقات علماء القيروان وأفريقية وزهادهم ونساكهم وسير من أخبارهم وفضائلهم وأوصافهم

عن أبي عثمان « 31 » قال : سمعت أبي يقول : مررت بسقيفة العراقي وهم يتناظرون في الاعتزال ، فوقفت أسمع منهم مناظرتهم ، فبلغ ذلك البهلول . فلما جئته قال : « يا محمد ، بلغني أنك مررت بسقيفة العراقي فوقفت إليهم تسمع إلى مثل هذا ، فلا تقربني » . وأغلظ عليّ . قال سحنون « 32 » : ولقد أتيت يوما إلى البهلول فوافاني رجل من أهل الأهواء على بابه ، وسألني عن الشيخ ، فما رددت عليه جوابا ، والشيخ يسمع ذلك ، فلما دخلت على الشيخ سلّمت عليه ، فلم يرد عليّ السلام ، وأعرض عني ، فلما خرج الناس من عنده تقدّمت إليه ، فجثوت على ركبتيّ بين يديه ، فقلت له : « ما خبري وما قصتي ؟ » فقال : « يسلّم عليك رجل من أهل الأهواء ويسألك عني ! » فقلت له : « واللّه ما رددت عليه جوابا » قال ، فقام « 33 » لي عند ذلك وقال لي : « مرحبا وأهلا » ، وسلم عليّ وقال لي : « إن هذا الذي أمرتك به تعرف به الحق من الباطل » . وقال بعض أصحابه : كنت يوما جالسا عنده ومعه رجل عليه لباس حسن وهيئة ، فقال له البهلول : « أحب أن تذكر لي ما تحتج به القدرية » . فسكت [ الرجل ] « 34 » حتى تفرق الناس ثم قال له : « يا أبا عمرو ؛ إنك سألتني عما تحتج به القدرية ، وهو كلام تصحبه الشياطين ، لأنه سلاح من سلاحهم ، فتزينه في قلوب العامة ، وفي مجلسك من لا يفهم ما أتكلم به من ذلك ، فلا آمن أن يحلو بقلبه منه شيء ، فيقول : سمعت هذا الكلام في مجلس البهلول » . فقال له : « واللّه لأقبلنّ رأسك ، أحييتني أحياك اللّه » . سعدون بن أبان « 35 » ، عن دحيون ، قال : كنت بالمدينة فإذا برجل يسأل ويقول : « أها هنا أحد من أهل إفريقية ؟ » فقلت له : « أنا ! » فقال : « من أهل القيروان ؟ » قلت : « نعم » قال : « أتعرف البهلول [ بن راشد ] « 36 » ؟ » قلت : « نعم » ، قال : فدفع إليّ كتابا وقال : « أوصله إليه » . فدفعت إليه الكتاب ، ففضه فإذا فيه :

--> ( 31 ) الخبر في الطبقات ص 54 وأبو عثمان هو ابن الحداد . ( 32 ) الخبر في المدارك 3 : 97 . ( 33 ) في الأصل : فقال . ( 34 ) زيادة للايضاح . ( 35 ) الخبر بهذا الإسناد في الطبقات 54 والمعالم 1 : 267 وباختصار وتصرف في المدارك 3 : 89 . ( 36 ) ما بين المعقفين زيادة من الطبقات .